الشنقيطي
202
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الملائكة طيبين ويقولون لهم سلام عليكم أدخلوا الجنة - أن الذين لم يتصفوا بالتقو لم تتوفهم الملائكة على تلك الحال الكريمة ، ولم تسلم عليهم ، ولم تبشرهم . وقد بين تعالى هذا المفهوم في مواضع أخر ؛ كقوله : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ [ النحل : 28 ] الآية ، وقوله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ - إلى قوله - وَساءَتْ مَصِيراً ( 97 ) [ النساء : 97 ] ، وقوله : وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ [ الأنفال : 50 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . وقوله : تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [ النحل : 28 ] ، وقوله : تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ قرأهما عامة القراء غير حمزة « تتوفاهم » بتاءين فوقيتين . وقرأ حمزة « يتوفاهم » بالياء في الموضعين . تنبيه أسند هنا جل وعلا التوفي للملائكة في قوله : تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ وأسنده في « السجدة » لملك الموت في قوله : * قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [ السجدة : 11 ] ، وأسنده في « الزمر » إلى نفسه جل وعلا في قوله : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [ الزمر : 42 ] الآية . وقد بينا في كتابنا [ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ] في سورة « السجدة » : أنه لا معارضة بين الآيات المذكورة ؛ فإسناده التوفي لنفسه ، لأنه لا يموت أحد إلا بمشيئته تعالى ، كما قال : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا [ آل عمران : 145 ] ، وأسنده لملك الموت ، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح ، وأسنده إلى الملائكة لأن لملك الموت أعوانا من الملائكة ينزعون الروح من الجسد إلى الحلقوم فيأخذها ملك الموت ، كما قاله بعض العلماء . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ 36 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه بعث في كل أمة رسولا بعبادة اللّه وحده ، واجتناب عبادة ما سواه . وهذا هو معنى « لا إله إلا اللّه » ، لأنها مركبة من نفي وإثبات ، فنفيها هو خلع جميع المعبودات غير اللّه تعالى في جميع أنواع العبادات ، وإثباتها هو إفراده جل وعلا بجميع أنواع العبادات بإخلاص ، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم صلوات اللّه وسلامه . وأوضح هذا المعنى كثيرا في القرآن عن طريق العموم والخصوص . فمن النصوص الدالة عليه مع عمومها قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا